حين مشَتِ الصحراء في هيئة امرأة الكاتبة والشاعرة عزيزة يحضيه عمر

الحصاد 36026 نوفمبر 2025آخر تحديث :
حين مشَتِ الصحراء في هيئة امرأة الكاتبة والشاعرة عزيزة يحضيه عمر

في الجنوب، حيث للريح أسماء، وللكثبان ذاكرة، وللنساء قدرة خفية على اقتفاء أثر الشمس… وُلدت عزيزة يحضيه عمر. لم تكن مجرد ابنة طانطان، بل كانت ابنة الضوء، تلك التي خرجت من رمل الصحراء محمّلة بكبرياء المكان، وقدرة نادرة على تحويل الوجدان إلى كلمات، والكلمات إلى أثر، والأثر إلى إرث لا يزول.
المقام الأول: حين تتكلم الصحراء
لم تكن الصحراء عند عزيزة مجرد جغرافيا، ولا ذاكرة فقط. كانت أمًّا ثانية، ومعلّمة أولى، وكتابًا مفتوحًا في وجه من يعرف كيف يقرأ سطور الطبيعة.
كانت تقول بلسان الشعر إن الجنوب لا يكتب إلا بمن عرف طقوسه:
الغبار الذي يعلو بعد خطوات الإبل، رائحة الشاي حين يفوح في صمت الظهيرة، ووجوه النساء اللواتي يخفين في عيونهن أسرار الخطوة الأولى نحو الحرية.
وهكذا كتبت «حنّاء صحراء الزعفران» وكأنها تحنّي جرحًا قديمًا أو تبارك بداية جديدة.
المقام الثاني: امرأة تتقدّم المشهد
عرفتها المنابر الصحفية كصوتٍ رزين، وكتبتها قاعات التحرير كسؤال لا يهدأ:
كيف لامرأة من الجنوب أن تكتب بهذا الوضوح؟ كيف تتحدث بهذه الثقة؟
لكن عزيزة لم تكن تنظر إلى الحياة من زاوية التحدي، بل من زاوية السيرة:
من يتخرج في مدرسة الصحراء، لا يخاف الصعود إلى منصة الرأي.
حملت قلمها كما تحمل النساء ثوب العرس: بخفّة، وبفخر، وبإصرار على ترك أثر.
علّمت، ودرّست، ودرّبت، ومنحت للمشهد الثقافي المغربي واحدة من أهم مبادراته النسائية: رابطة كاتبات المغرب.
كانت ترى أن النساء لا يُسمِعن أصواتهن إلا إذا منحتهن منصة، فكانت المنصة، والرابطة، والصدى.
المقام الثالث: ذاكرة امرأة لم تكن عابرة
في ذاكرة من عرفوها، كانت عزيزة يحضيه عمر أكثر من صحفية، وأكثر من شاعرة.
كانت امرأة مُلهِمة…

امرأة تستطيع أن تحوّل الحديث العابر إلى درس، والمجلس البسيط إلى محفل.
كانت تؤمن بأن الكلمة ليست وظيفة، بل مسؤولية، وأن الثقافة ليست رفاهًا، بل هوية تُحمَل بثبات.
وفي كل مدينة زارتها، كانت تترك خلفها شيئًا يشبه : القيمة …
قيمة الكلمة، قيمة المرأة، قيمة الجنوب الذي يمشي معها أينما حلّت وارتحلت

المقام الرابع: رحيلٌ مثل انطفاء المصابيح
حين رحلت في شتاء 2022، بدا الأمر وكأن ضوءًا انخفض في المشهد الثقافي.
لم تمت عزيزة؛ لأن من عاش حياة مكتوبة لا يغادر حين يتوقف القلب، بل حين يتوقف الأثر… وأثرها لم يتوقف.
بقيت في دواوينها، في أصوات الكاتبات اللواتي حملن مشعلها، في ذاكرة الجنوب الذي لم يفقد امرأة فقط، بل فقد واحدة من حارسات معناه.
المقام الخامس: ابنة الجنوب التي تظلّ
لا تُقاس قيمة الإنسان بما كتب، بل بما ترك من أثر في من كتبوا بعده.
وهكذا تبقى عزيزة يحضيه عمر مقامًا من مقامات الذاكرة المغربية…
امرأة جنوبية حملت صحراءها في قلبها، ورفعتها في وجوه العالم، وقالت دون أن ترتجف إن الثقافة فعل مقاومة، وإن الكلمة وطنٌ آخر لمن يعرف كيف يسكنه.

بقلم : سمية مسرور

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.