حين توحّد الكرة ما فرّقته الجغرافيا… المغرب نموذجًا لإفريقيا التي تلتقي على المستطيل الأخضر.

الحصاد 36023 ديسمبر 2025آخر تحديث :
حين توحّد الكرة ما فرّقته الجغرافيا… المغرب نموذجًا لإفريقيا التي تلتقي على المستطيل الأخضر.

ليست كرة القدم في إفريقيا مجرد لعبة تُلعب بتسعين دقيقة، بل لغة مشتركة تتجاوز الحدود، وتكسر الحواجز، وتمنح القارة مساحة نادرة للاجتماع على الفرح والأمل والمعنى. ففي قارة مثقلة بتحديات التاريخ والتنمية والاختلافات، ظلت الكرة المستديرة إحدى أقوى الروابط التي تجمع شعوبها، وتعيد تذكيرها بأنها تنتمي إلى نبض واحد وإن اختلفت الألوان واللهجات.
لقد أثبتت التجارب أن كرة القدم قادرة على ما تعجز عنه السياسة أحيانًا؛ فهي توحّد الشعوب حين تتقاطع المصالح، وتخفف من حدّة التوتر حين تشتد الخلافات، وتخلق لحظات إجماع نادرة حول قيم المنافسة الشريفة والانتماء الجماعي. من ملاعب داكار إلى شوارع لاغوس، ومن أحياء أبيدجان إلى مدرجات القاهرة، تعيش إفريقيا على إيقاع كرة القدم بوصفها مرآة لوجدانها الجمعي.
وفي هذا السياق، برز المغرب ليس فقط كمستضيف لتظاهرات كروية كبرى، بل كفاعل قاري قدّم نموذجًا مختلفًا في توظيف الرياضة كجسر للتقارب الإفريقي. فحين احتضنت المملكة المنافسات القارية، لم تتعامل معها كحدث رياضي عابر، بل كرسالة سياسية ناعمة، وثقافية عميقة، مفادها أن إفريقيا قادرة على التنظيم، وعلى اللقاء، وعلى صناعة الفرح المشترك داخل أرضها.
كان المغرب في قلب إفريقيا وهو يستقبل منتخباتها وجماهيرها وإعلامييها، يفتح ملاعبه ومدنه وذاكرته الجماعية، ليؤكد أن الكرة يمكن أن تكون عنوانًا للوحدة بدل الانقسام، ومساحة للتلاقي بدل التنافس السلبي. التنظيم المحكم، والبنية التحتية المتطورة، وحسن الاستقبال، كلها عناصر جعلت من التجربة المغربية لحظة إفريقية بامتياز، لا مغربية فقط.
لقد تحوّل المستطيل الأخضر في المغرب إلى ساحة دبلوماسية ناعمة، حيث تتقاطع الرايات الإفريقية، وتختفي الخلافات مؤقتًا تحت هتاف الجماهير، وتُبنى جسور الثقة من المدرجات إلى غرف الإعلام، ومن الملاعب إلى الفضاء العام. هنا، لم تعد الكرة أداة للانتصار فقط، بل وسيلة للتقارب الإنساني وصناعة الصورة الإيجابية عن إفريقيا.
إن ما قدّمه المغرب يؤكد أن كرة القدم، حين تُدار برؤية، يمكن أن تصبح رافعة للوحدة الإفريقية، ومنصة لإعادة صياغة علاقة الدول بشعوبها وبجيرانها. فالمغرب لم يكن مجرد بلد مضيف، بل كان وسيطًا حضاريًا جمع إفريقيا حول حلم مشترك، وأعاد الاعتبار لقيمة اللقاء في زمن الانقسام.
وفي زمن تبحث فيه القارة عن صيغ جديدة للتكامل والتضامن، تظل كرة القدم إحدى أنجع هذه الصيغ. وحين تُحسن الدول الإفريقية استثمارها، كما فعل المغرب، فإنها تتحول من لعبة شعبية إلى قوة رمزية قادرة على جمع القارة، ولو على وقع صافرة بداية.

بقلم: سمية مسرور

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.