رحل الإعلامي المغربي عبد الصادق بن عيسى يوم الأحد 26 ماي 2024، عن عمر ناهز 63 سنة، بعد صراع مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا إذاعيًا خلد اسمه كأحد أبرز الأصوات التي رافقت أجيالًا من المستمعين.
وُلد بن عيسى سنة 1961 بمدينة الدار البيضاء، حيث شبّ طفلًا مولعًا بعالم الإعلام. منذ صغره، كان يقضي ساعات طويلة أمام المذياع والتلفاز، يتأمل كيف تُصنع البرامج، ويحلم أن يكون يومًا من ركائز هذا العالم. حلمٌ قاده إلى المعهد العالي للإعلام والاتصال بعد حصوله على شهادة الباكالوريا، وهناك صقل أدواته ومهاراته، ليفتح لنفسه طريقًا نحو الميكروفون.
التحق عبد الصادق بن عيسى مبكرًا بإذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية سنة 1981، وهو لم يتجاوز بعدُ العشرين عامًا. في أروقة الإذاعة، تعلّم أسرار المهنة، من إعداد البرامج إلى إتقان فنون السرد الإذاعي. وكانت محطة الانطلاق الكبرى عندما أسندت إليه المؤسسة تقديم برنامج “ملفات بوليسية”، المستند إلى مذكرات العميد عبد اللطيف بوحموش. بأسلوبه المشوق وقدرته على تحويل الوقائع الجافة إلى حكايات نابضة بالحياة، تمكن من أسر قلوب المستمعين، حتى صار البرنامج واحدًا من العلامات الفارقة في تاريخ الإعلام المغربي.
لم يقتصر عطاء بن عيسى على “ملفات بوليسية”، بل وقع على بصمات واضحة في برامج أخرى، مثل:
• هاربون
• مهمشون
• وجوه من الظل
• لحظات من التاريخ
كلها كانت منصات تحكي قصصًا عن المجتمع، تفتح نوافذ على عوالم مجهولة، وتقدم دروسًا في التاريخ والذاكرة الجماعية بأسلوب سلس واحترافي.
بصوته الدافئ وروايته المتأنية، ارتبط اسم عبد الصادق بن عيسى لدى المستمعين بالمصداقية والإبداع. فقد كان يحسن الإصغاء للوقائع قبل أن يصوغها بحرفية، ويمنح كل قصة نفسًا إنسانيًا يعيد للمستمع قيمة الإصغاء في زمن السرعة والسطحية.
برحيله، فقدت الساحة الإعلامية المغربية قامة إذاعية بارزة ساهمت في ترسيخ تقاليد السرد المسموع، وأثرت وجدان أجيال تربت على قصصه. نعاه زملاؤه من الإعلاميين والمثقفين بحزن عميق، معتبرين رحيله خسارة لرجل آمن برسالة الإعلام النبيلة، وخدمها بإخلاص لما يزيد عن أربعة عقود.
سيظل عبد الصادق بن عيسى حاضرًا في ذاكرة المستمعين، لا كصوت إذاعي فقط، بل كجزء من تاريخ الحكاية المغربية المسموعة، التي لا تُمحى من ذاكرة الأذن والقلب.
بقلم: سمية مسرور














