الإعلام الفلاحي والقروي في المغرب بين جائزة التقدير وسؤال الموقع داخل المنظومة الإعلامية

الحصاد 36025 أبريل 2026آخر تحديث :
الإعلام الفلاحي والقروي في المغرب بين جائزة التقدير وسؤال الموقع داخل المنظومة الإعلامية
الإعلام الفلاحي والقروي في المغرب  بين جائزة التقدير وسؤال الموقع داخل المنظومة الإعلامية

لم تكن الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة الفلاحية والقروية مجرد لحظة احتفاء عابرة خلال فعاليات المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، بل محطة تكشف، بقدر ما تُكرّم، عن سؤال أعمق يتعلق بمكانة هذا النوع من الإعلام داخل المنظومة الإعلامية المغربية: هل ما نعيشه اليوم هو اعتراف كافٍ بدور الصحافة المتخصصة، أم أننا ما زلنا في بداية الاعتراف بما يجب أن يكون بنية إعلامية قائمة بذاتها؟

إن تتويج صحافيين في أصناف التلفزة والإذاعة والصحافة المكتوبة والإلكترونية، إلى جانب أعمال إبداعية تناولت قضايا الفلاحة والعالم القروي، يعكس دون شك تطوراً في الاهتمام الإعلامي بهذا المجال، لكنه في الوقت نفسه يضعنا أمام مفارقة واضحة: قطاع يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ويؤثر في معيش ملايين المغاربة، مقابل حضور إعلامي ما يزال محدوداً وموسمياً في كثير من الأحيان.
الفلاحة في المغرب ليست مجرد نشاط إنتاجي؛ هي رافعة للاقتصاد الوطني، تساهم بنسبة مهمة في الناتج الداخلي الخام، وتشغل نسبة واسعة من الساكنة النشيطة، وتتشابك مع رهانات الماء، والتغير المناخي، والسيادة الغذائية. ومع ذلك، يظل حضورها في البرامج الإعلامية، خارج فترات الأزمات أو المناسبات الكبرى، حضوراً غير مستقر وغير مؤطر برؤية تحريرية متخصصة.
من هنا، تأتي قيمة الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة الفلاحية والقروية، ليس فقط بوصفها تكريماً مستحقاً لصحافيين راكموا خبرة في مجالات دقيقة، بل أيضاً كمرآة تعكس الحاجة إلى ترسيخ إعلام فلاحي وقروي داخل السياسات التحريرية للمؤسسات الإعلامية، لا كمجرد ملحق أو زاوية، بل كمجال تخصصي قائم بذاته.
لقد أظهرت الأعمال المتوجة هذا العام أن هناك طاقات مهنية قادرة على تفكيك تعقيدات القطاع الفلاحي، وعلى نقل قضايا العالم القروي بلغة قريبة من المواطن، وعلى مساءلة السياسات العمومية حيناً، ومواكبتها حيناً آخر. لكن هذا التميز الفردي يطرح سؤالاً مؤسساتياً أوسع: إلى أي حد أصبحت هذه التجارب الفردية جزءاً من رؤية إعلامية وطنية شاملة؟
إن العالم القروي، الذي يحتضن جزءاً كبيراً من الساكنة المغربية، لم يعد مجرد فضاء جغرافي بعيد عن المركز، بل أصبح مجالاً حيوياً تتقاطع فيه قضايا التنمية، والهجرة، والماء، والاستثمار، والتغيرات الاجتماعية. غير أن هذا التحول لا يوازيه دائماً تحول مماثل في التغطية الإعلامية، حيث ما تزال الصورة النمطية حاضرة في كثير من الخطابات الإعلامية.
وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل يمكن الحديث عن تنمية قروية حقيقية دون إعلام قروي متخصص، دائم، ومندمج في البرمجة الإعلامية اليومية؟ وهل يمكن لقطاع بحجم الفلاحة، بكل ما يحمله من رهانات استراتيجية، أن يظل دون تغطية إعلامية متخصصة توازي أهميته الاقتصادية والاجتماعية؟
الجائزة الوطنية، في بعدها الرمزي، تؤكد أن هناك اعترافاً رسمياً بأهمية الصحافة الفلاحية والقروية، لكنها في بعدها النقدي، تدفع نحو التفكير في ما هو أبعد من التتويج: نحو إدماج هذا التخصص في صلب السياسات التحريرية، وتطوير محتويات إعلامية قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب في مجالات الماء، والفلاحة، والتنمية الترابية.
إن الرهان اليوم لم يعد فقط في تكريم الصحافيين، بل في تحويل هذا التقدير إلى رؤية إعلامية واضحة: إعلام فلاحي وقروي ليس موسماً إعلامياً، بل جزءاً من المنظومة الإعلامية الوطنية، يوازي في حضوره حجم التحديات المطروحة على المغرب في أمنه الغذائي والمائي والتنمية المجالية.
وبين لحظة التتويج وسؤال المستقبل، يظل التحدي قائماً: كيف ننتقل من الاعتراف بالصحافة الفلاحية والقروية إلى جعلها ركيزة داخل الإعلام المغربي، لا استثناءً يُحتفى به مرة في السنة؟

بقلم: سمية مسرور

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.