في لحظة يغلب عليها الدفء الثقافي واستحضار الذاكرة، تختار الإعلامية سعاد الزعتراوي أن تمنح الزمن امتداداً جديداً، وأن تُنقذ من النسيان ما كان مرشحاً للمرور سريعاً عبر الشاشة. هكذا وُلد كتابها الجديد «أثر – بورتريهات من المشاهد إلى القارئ»، كعمل وفاء للذاكرة التلفزيونية، يعيد نقل لحظات إنسانية وفنية من فضاء البث إلى رحابة القراءة، حيث تستقر التفاصيل وتكتسب عمقاً آخر.
هذا الإصدار، الذي صدر حديثاً، لا يندرج ضمن مجرد جمع لحوارات أو إعادة نشر لمشاهد تلفزيونية، بل يتجاوز ذلك ليصبح إعادة تشكيل لذاكرة كاملة. إنه استعادة لزمن فقرة «ضيف الأحد» التي طبعت ذاكرة مشاهدي القناة الثانية 2M، واستضافت على امتداد سنوات أسماء بارزة من عالم الأدب والتمثيل والإخراج والموسيقى والفنون التشكيلية، الذين ساهموا في تشكيل الحس الجمالي المغربي وإغناء رصيده الثقافي.
من تُنصت إلى من تكتب… زاوية مختلفة للسرد
المفارقة اللافتة في هذا العمل أن سعاد الزعتراوي، التي اعتادت أن تكتب عن الآخرين وأن تُنصت إليهم بمهارة، تجد نفسها هنا في موقع مختلف. فهي لا تروي ذاتها، بل تعيد بناء ما رصدته بعينها الصحفية، وبذاكرتها التي التقطت الوجوه قبل الكلمات، وبحسّها الذي منح الضيوف مساحة للبوح، وبقلمها الذي ظل يلتقط التفاصيل الخفية التي لا تنقلها الكاميرا.
هي الكاتبة التي منحت دوماً مساحة لصوت الآخرين، فكان حضورها في الخلفية حضوراً واعياً، يُبرز القصة لا الذات. واليوم تعود لتعيد صياغة تلك اللحظات بلغة أكثر هدوءاً وتأملاً وعمقاً، وكأنها تفتح باباً جديداً للقراءة: ما لم يُقل على الشاشة يمكن أن يُستعاد على الورق.
من زمن البث إلى زمن القراءة
لا يقوم هذا الكتاب على فكرة التوثيق فقط، بل على وعي عميق بطبيعة الفارق بين التلفزيون والكتابة. فالشاشة، مهما اتسعت، تظل أسيرة الزمن والإيقاع السريع واللقطة العابرة. أما الكتاب، فهو مساحة للتمهل وإعادة النظر، ولتفكيك الملامح والكلمات والإشارات التي تمر سريعاً أمام العين.
في «أثر»، تتحرر تلك البورتريهات من حدود البث التلفزيوني، وتنتقل إلى فضاء الكتابة حيث تُقرأ لا تُشاهَد فقط. هنا يصبح القارئ في مواجهة مباشرة مع الشخصيات، كأنه يجلس معهم دون وسيط، بعيداً عن ضغط الوقت أو سرعة الإخراج.
الكتاب كفعل حبّ وذاكرة
تكتب سعاد الزعتراوي في تقديمها لهذا العمل:
«لم يكن هدفي من هذا الكتاب أن يكون مجرد توثيق، بل أن يشكل محاولة واعية لحفظ جزء من الذاكرة الفنية المغربية… إنه فعل حب قبل أن يكون مجرد فعل كتابة.»
بهذه الروح، يتجاوز الكتاب حدود التوثيق التقليدي ليصبح احتفاءً بالذاكرة الثقافية، واعترافاً بجيل من المبدعين الذين جعلوا من الفن مسار حياة، ومن الإبداع خياراً وجودياً.
الغلاف… رمزية المكان وعمق الأثر
يحمل غلاف الكتاب بعداً بصرياً لافتاً؛ حيث تتجاور عناصر البحر والضوء والحجارة العتيقة مع ملامح الكاتبة التي تطل بهدوء وثقة. صورة تختزل فلسفة العمل: أثر الإنسان في المكان، وأثر الزمن في الذاكرة، وأثر الكلمة حين تتحول من تجربة معيشة إلى نص مكتوب.
موعد التوقيع
توقّع سعاد الزعتراوي كتابها «أثر» يوم الثلاثاء على الساعة السادسة مساءً، بجناح دار الثقافة D85، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط. وهي مناسبة يُرتقب أن تجمع بين الكاتبة وقرّائها في لحظة استعادة جماعية للذاكرة، بين من عاش التجربة ومن يعيد قراءتها اليوم.
«أثر»… كتاب يعكس صاحبته
في عمقه، يبدو هذا الإصدار امتداداً طبيعياً لشخصية سعاد الزعتراوي: هادئة في ظاهرها، عميقة في محتواها، إنسانية في روحها، ودقيقة في صناعتها الصحفية. وهو يثبت أن الصحافة ليست فقط نقل الحدث، بل حفظ الذاكرة، وأن البورتريه ليس تعريفاً بشخص، بل كتابة لزمن كامل من خلاله.
«أثر» ليس فقط كتاباً عن ضيوف برنامج تلفزيوني… بل هو كتاب عن أثرهم في الذاكرة، وعن أثر الكلمة حين تُكتب بمحبة، وعن الإعلام حين يتحول إلى وثيقة ثقافية باقية.
بقلم: سمية مسرور














