بقلم: سمية مسرور
في مؤسسة يفترض أن تُجسّد سلطة الرشد والتوازن، تكفي عبارة واحدة لتكشف عمق الخلل في السلوك السياسي حين ينفلت من ضوابطه. عبارة مثل “شوف على نموذج” لم تكن مجرد جملة لفظية عابرة أُطلقت في وجه نائب برلماني، بل لحظة كاشفة لمدى تداخل البشري بالمؤسساتي، والانفعالي بالرمزي، تحت قبة يُفترض فيها أن تكون منبرًا للهدوء والحكمة.
في المجالس المنتخبة، يُنتظر من الرئاسة أن تتحلى بأقصى درجات الاتزان، فهي ليست مجرد نقطة مركزية في تسيير الجلسة، بل ميزان حساس بين مكونات متعددة، يحمل ثقلاً رمزيًا لا يسمح له بالرد على الخروج بخروج، ولا على الفوضى بإيماءات تهكمية. فحين يقول من يتولى زمام الجلسة “شوف على نموذج”، حتى وإن كانت العبارة نتيجة استفزاز أو تجاوز للنظام، فإن وقعها لا يُقرأ كمجرد رد فعل، بل كحُكم يُنطَق من على منصة يفترض أن تظل محايدة.
من الجهة الأخرى، لا يمكن إنكار أن بعض المداخلات البرلمانية تفتقر أحيانًا للانضباط أو تسعى للخرق تحت غطاء نقطة نظام، ما قد يُربك تدبير الجلسة ويدفع نحو التوتر. غير أن هذا لا يُبرر السقوط في انتقاص لفظي أو تعابير تُشعر طرفًا سياسيًا ما بأنه مستهدف أو موصوم، فمهمّة التنظيم لا تعني الهيمنة، ومهمة التسيير لا تعني التأديب.
العبارة التي أشعلت الجدل ليست بذاتها موضع النقاش، بل السياق الذي قيلت فيه، والكرسي الذي انطلقت منه، والموقع الذي استُخدم فيه الصوت. البرلمان ليس مجرد قاعة مليئة بالكراسي والميكروفونات، بل فضاء يعكس مدى نضج الدولة واحترامها لذاتها أمام مواطنيها. وكل انفعال داخله، يُقابله خارج القبة اهتزاز في ثقة المواطن.
إنّ ما حدث يطرح بإلحاح سؤالًا أعمق: من يُعيد للغة هيبتها داخل الفضاء السياسي؟ وهل من الضروري أن ننتظر كل مرة لحظة انفجار كي نستحضر ضرورة التحلي باللباقة والرصانة في النقاش؟
ربما حان الوقت لأن ندرك أن البرلمان ليس فقط ساحة للتشريع، بل أيضًا مدرسة في السلوك الديمقراطي، ومختبر حقيقي لمستوى التحضر السياسي. لا نحتاج إلى تقنين الكلمات، بل إلى ترسيخ وعي جمعي بأن الاحترام لا يُستدرج، بل يُبادر به، لا سيما ممن في يدهم المطرقة، والكلمة، والصورة العامة.














