ونحن على مشارف مرور خمسين سنة أي خمسة عقود على إندلاع صراع مفتعل بالصحراء فرق بين الأسر والعشائر وتسبب في حرب لم تكن محسوبة العواقب وأفقد المنطقة طعم الأمن والإستقرار، نتساءل اليوم عن مكمن الخلل ودواعي الخلاف ومسببات تفاقمه وإستمراريته.
كل الدلائل والوثائق والمراجع التاريخية تثبت أن الصحراء لم تكن أرضا خلاء وأن المنطقة وساكنتها ظلت على الدوام في إرتباط أزلي بوطنها المغرب وفق ما تمليه بيعة قبائل الصحراء لملوك المغرب العظام من التزام لهوية ثقافية وإجتماعية وتقليد راسخ شكل عبر العصور الضامن لوحدة المغرب وإستقراره.
وللتاريخ فإن الصحراء الغربية المغربية لم تكن أبدا دولة قومية بالمعنى الحديث بل كانت مستعمرة إسبانية منذ سنة 1884 وظلت الدولة المغربية المركزية المخاطب والمدافع عن مغربية الصحراء في المحافل الدولية إلى غاية منتصف السبعينات حين أعلنت إسبانيا عن إنهاء إستعمارها للمنطقة وتخليها عن إدارة الإقليم في 14 نونبر من سنة 1975.
فماذا حدث بالضبط؟ وكيف ظهرت جبهة البوليساريو فجأة كفاعل جديد بالمنطقة يدعي تمثيليته لساكنة الصحراء؟ كيف تعاملت الدولة المغربية مع المنطقة وساكنتها بعد إسترجاعها لحظيرة الوطن من خلال المسيرة الخضراء؟ وكيف إستمر الصراع طويلا لأزيد من نصف قرن؟ وما السبيل إلى طي هذا الملف وإنهاء معاناة اللاجئين الصحراويين بمخيمات تندوف من خلال العودة إلى وطنهم والعيش بسلام إلى جانب إخوانهم بالأقاليم الجنوبية في إطار حكم ذاتي يمنح لأبناء المنطقة فرصة تسيير شؤونهم بأنفسهم تحت سيادة الدولة المغربية؟
أسئلة عديدة تطرح اليوم لتقييم مسار هذه القضية قصد تصحيح وتقويم أخطاء الماضي وإستثمار المستجدات المتسارعة إقليميا ودوليا والنجاحات التي تعرفها الدبلوماسية المغربية بفضل الدبلوماسية الملكية لجلالة الملك محمد السادس أيده الله لحسم موضوع الصحراء المغربية والمرور إلى السرعة القصوى في تنمية المنطقة أمام التهافت المتزايد للدول الكبرى الراغبة في الإستثمار بالأقاليم الجنوبية التي تزخر بمؤهلات طبيعية كبيرة مما قد يساهم في إستقرار المنطقة وضمان العيش الكريم لأبنائها.
وهنا لابد من الوقوف على بعض الثغرات والهفوات التي واكبت مسار قضية الصحراء المغربية، فليس العيب أن نخطأ ولكن العيب أن نتمادى في أخطائنا.
فماذا لو أن الأحزاب المغربية إحتضنت ذات يوم أبناء الصحراء الذين كانوا يدرسون بالجامعات المغربية خلال بداية السبعينات وساهمت في تأطيرهم وتوجيههم قبل أن تتلقفهم أطراف معادية للمغرب؟ ألم يتزعم مؤسس البوليزاريو الوالي مصطفى السيد مظاهرة طلابية بمدينة طانطان سنة 1972 حيث كان المتظاهرون يحملون الرايات المغربية ويطالبون بطرد المستعمر الإسباني؟ ألم يكن بالإمكان إحتواء هؤلاء الشباب قبل أن يحتضنهم القذافي ويحرضهم على تأسيس جبهة شعبية مناهضة للمغرب؟
ماذا لو عمدنا بعد ملحمة المسيرة الخضراء وإسترجاع الأقاليم الجنوبية إلى إستحضار خصوصيات مجتمع الصحراء ودعم أعيان ووجهاء وشيوخ قبائل الصحراء التقليديين للمساهمة في تأطير المجتمع بدل اللجوء أحيانا إلى خلق أعيان جدد لا يتوفرون على الإمتداد والتأثير في محيطهم العشائري؟ ماذا لو أننا قمنا بالتركيز أكثر على تقوية الجبهة الداخلية فكما يقال : “عصفور في اليد خير من عصفورين فوق الشجرة” وهنا يظل الباب مفتوحا للعائدين والسعي إلى إدماجهم بوطنهم الأم لكن دون أن ننسى أولئك الذين لم يذهبوا ليعودوا.
وهنا أستحضر واقعة اگديم إزيك حين تكتلت العديد من الأسر والأشخاص على مشارف مدينة العيون وهم يحملون مطالب إجتماعية تتمثل في السكن والتشغيل والعيش الكريم قبل أن تخترق تلك التجمعات عناصر إنفصالية حاولت بدعم من أطراف خارجية تحويل مطالبهم الإجتماعية إلى مطالب سياسية.
ألم يكن من المفيد إعداد تشخيص دقيق لكل تلك الأسر التي نزحت لگديم إزيك لدراسة وضعياتها الإجتماعية ومدى صدقية مطالبها والعمل على تسوية أوضاع المستحقين منها وإعطائها الأولوية في البرامج الإجتماعية القائمة وذلك بعد أن تم حصر لوائح الأشخاص ذوي النزاعات الإنفصالية وإحالتهم على القضاء لمحاسبتهم؟
ماذا لو أننا عمدنا إلى إشراك النخب المثقفة من أبناء المنطقة في البرامج والمخططات الرامية إلى تأطير المواطنين بالأقاليم الجنوبية والتسويق الجيد لمشروع الحكم الذاتي الذي عملنا على تسويقه خارجيا ولم نسوقه للساكنة المعنية داخليا؟
لقد تحول مجتمع الصحراء لما بعد المسيرة الخضراء من مجتمع تطبعه البداوة والترحال إلى مجتمع متمدن تراكمت من داخله أجيال من خريجي الجامعات ممن التحقوا بالمدارس الوطنية بعد المسيرة الخضراء وعودة الأقاليم الجنوبية إلى حظيرة الوطن الأم حيث تتوفر نخب الصحراء اليوم على كفاءات متعددة تحترف كل المجالات ومؤهلة لتدبير قضايا الشأن العام على غرار باقي نخب وكفاءات الوطن.
وإستحضاراً لكل هذه المعطيات وفي خضم المستجدات والتطورات التي تعرفها قضيتنا الوطنية الأولى قضية الصحراء المغربية في أفق الإحتفال بالذكرى الخمسينية للمسيرة الخضراء المظفرة وما يتطلع إليه الشعب المغربي من أمل كبير في جعل هذه الذكرى مناسبة لطي ملف الصحراء ومنح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية فإن الأمل معقود على نخب الصحراء للإنخراط بشكل فعال في هذه الدينامية الإيجابية من خلال الإنخراط في الأحزاب السياسية والمساهمة في تأطير المواطنين وتدبير الشأن المحلي من خلال المجالس المنتخبة وخلق هيئات تفكيرية وفق مقاربات تستحضر خصوصيات مجال ومجتمع الصحراء للمساهمة في بلورة برامج ونماذج تنموية تحقق الإقلاع الإقتصادي المطلوب وتساهم في تحسين ظروف عيش الساكنة المحلية إمتثالا للتوجيهات الملكية الواردة في الخطاب الملكي بمناسبة إفتتاح الدورة الخريفية للبرلمان والذي دعى من خلاله أيده الله إلى ضرورة تحقيق تحول كبير على مستوى التنمية الترابية من خلال تغيير ملموس في العقليات وفي طريقة العمل.
إن المغرب الصاعد والمتضامن كما أراده جلالة الملك يحتاج إلى إنخراط فعلي لكل النخب الوطنية بمختلف الجهات والأقاليم والأمل معقود على نخب أبناء الأقاليم الجنوبية للمساهمة بفعالية في هذه الدينامية الوطنية التي تؤطرها التوجيهات الملكية.
لقد حان الوقت بأن ينخرط جيل المسيرة الخضراء وهو يكمل عقده الخامس بفعالية أكبر في تدبير الشأن المحلي بالأقاليم الجنوبية برؤى جديدة وحكامة جيدة، وهو الجيل الذي واكب كل التحولات الدولية والتجارب العالمية الرائدة في مجال التنمية ويتوفر على كل المؤهلات العلمية والفكرية والمهنية التي تؤهله لإبتكار جيل جديد من برامج التنمية الترابية يتماشى مع خصوصيات ومؤهلات الجهات الجنوبية.
✍️ بقلم الشيخ الدكتور الطالب بويا أباحازم، باحث في شؤون الصحراء.














