بقلم :سيد براهيم لهويدي
لم تكن قبيلة تجكانت، عبر تاريخها الطويل بالصحراء المغربية، مجرّد مكوّن قبلي عابر، بل شكّلت على الدوام ركيزة توازن اجتماعي وروحي، ومرجعية في العلم والإصلاح وفضّ النزاعات، حتى أُطلق عليها، عن حق، عبارة العلم جكني و لقب قبيلة الحلّ والعقد. غير أن ما تعيشه اليوم، منذ أزيد من سنة ونصف، يبعث على القلق العميق، ليس فقط داخل أسوارها، بل في عمق النسيج الاجتماعي الصحراوي برمّته.
لقد تحوّلت خلافات داخلية، كان من الممكن احتواؤها في مهدها وفق أعراف القبيلة وتقاليد مجتمع الصحراء، إلى انقسامات عائلية حادّة، ثم إلى مواجهة مفتوحة في الفضاء الرقمي، حيث سُحبت الخلافات من مجال الحكمة والستر إلى ساحات التشهير والتجريح، في مشهد يسيء إلى الجميع، ويضرب في الصميم منظومة القيم التي قامت عليها تجكانت عبر القرون.
من الاختلاف إلى التشكيك… حين تضيع البوصلة
الخطير في هذه الأزمة ليس فقط استمرارها، رغم تدخل الحكماء والسلطات العمومية ووصول بعض ملفاتها إلى القضاء، بل التحوّل النوعي في طبيعة الخطاب. فبعد أن كان الخلاف حول أساليب التدبير والتمثيل، أصبح اليوم خطابًا تعجيزيًا، تسفيهيًا، يقوم على نزع الشرعية، وتخوين المبادرات، والتشكيك في الرموز، وكأن تاريخ القبيلة يُمحى بضربة منشور أو تسجيل صوتي.
وما يزيد الوضع تعقيدًا، هو بروز أصوات من داخل القبيلة، اختارت أن تؤسس لكيان اجتماعي–هوياتي موازٍ، من خارج المجال الترابي الوطني للمملكة المغربية، متناسية أن الشرعية القبلية في الصحراء لم تكن يومًا معزولة عن الجغرافيا، ولا منفصلة عن الانتماء الوطني، ولا قائمة على الادعاء الفردي أو التسويق الرقمي.
مجلس الأعيان… تجربة تُحارب لأنها ناجحة
في مقابل هذا المسار العبثي، لا يمكن إنكار أن مجلس أعيان قبيلة تجكانت بالمغرب شكّل، خلال العقدين الأخيرين، تجربة متقدمة في التنظيم القبلي المسؤول، بقيادة كفاءات صحراوية معروفة بالنزاهة والاستقامة ونظافة اليد. تجربة اشتغلت في صمت، وراكمت الثقة، وانخرطت بوضوح في القضايا الوطنية، وعلى رأسها الدفاع عن مغربية الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الخيار الواقعي والنهائي.
غير أن هذه التجربة، بدل أن تُدعَم وتُحصَّن، أصبحت هدفًا لحملات تشويش ممنهجة، تسعى إلى تقويضها عبر خطاب التشكيك والتبخيس، في محاولة مكشوفة لخلط الأوراق، وخلق فراغ تمثيلي مصطنع، لا يخدم سوى منطق الفوضى والانقسام.
العبث بالهوية… حين يصبح الخارج وصيًا على الداخل
إن أخطر ما يهدد تجكانت اليوم، ليس الاختلاف في الرأي، فهذا صحي ومطلوب، بل محاولة استيراد منطق الوصاية من خارج الوطن، وتوظيف الانتماء القبلي خارج سياقه التاريخي والوطني. فقبيلة تجكانت لم تكن يومًا كيانًا معزولًا أو طارئًا، بل نسجت عبر القرون علاقات علمية ودينية واجتماعية متينة مع باقي مكونات المجتمع القبلي بالصحراء المغربية، وأسهمت في استقرارها وتماسكها.
والتشكيك في هذا الإرث، أو تقديم القبيلة وكأنها حديثة العهد بالمجال، أو منزوعة الجذور، ليس سوى تزوير للتاريخ، ومحاولة يائسة لإعادة كتابة الوقائع وفق أهواء سياسية أو حسابات ضيقة.
رسالة إلى الحكماء: الصمت لم يعد حكمة
في هذا السياق، تصبح الرسالة إلى حكماء تجكانت ومرجعياتها التقليدية والدينية رسالة صارمة وواضحة:
الصمت لم يعد حكمة، والتردد لم يعد مقبولًا.
إن المرحلة تستوجب موقفًا شجاعًا، يضع حدًا للالتباس، ويحسم في مسألة الشرعية، ويعيد الاعتبار للأعراف الجامعة، قبل أن تتحول الأزمة إلى شرخ لا يُرمم. فالتاريخ لا يرحم، والأجيال القادمة لن تسأل من أشعل الفتنة فقط، بل ستسأل من تركها تستفحل.
دعوة أخيرة إلى التيار المشوِّش: عودوا إلى العقل
وبالمقابل، فإن الدعوة موجهة إلى هذا التيار الذي اختار التصعيد والتشويش، إلى مراجعة الذات، والكف عن تغذية الانقسام بخطابات انفعالية، والعودة إلى منطق العقل والانضباط للأعراف، واحترام الثوابت الوطنية، لأن الاستمرار في هذا المسار لن يقود إلا إلى العزلة، والتفكك، وتدخل القانون، وهو مسار خاسر للجميع.
إن قبيلة تجكانت خط أحمر، وتاريخها أكبر من أن يُختزل في صراع أشخاص أو حسابات ظرفية. هي قبيلة العلم والجهاد، قبيلة الحلّ والعقد، ولن تستعيد مكانتها إلا حين يُقدَّم العقل على الأهواء، والوحدة على الادعاء، والوطن على كل اعتبار آخر.














